الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

96

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

للعموم العرفي ، أي المتوكلون الحقيقيون إذ لا عبرة بغيرهم . ويجوز أن تكون من كلام اللّه تعالى خاطب به رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ولم يأمره بأن يقوله فتكون الجملة تعليلا للأمر بقول : حَسْبِيَ اللَّهُ ، أي اجعل اللّه حسبك ، لأن أهل التوكل يتوكلون على اللّه دون غيره وهم الرسل والصالحون وإذ قد كنت من رفيقهم فكن مثلهم في ذلك على نحو قوله تعالى : أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [ الأنعام : 90 ] . وتقديم المجرور على يَتَوَكَّلُ لإفادة الاختصاص لأن أهل التوكل الحقيقيين لا يتوكلون إلا على اللّه تعالى ، وذلك تعريض بالمشركين إذ اعتمدوا في أمورهم على أصنامهم . [ 39 - 40 ] [ سورة الزمر ( 39 ) : الآيات 39 إلى 40 ] قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ( 39 ) مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ ( 40 ) لما أبلغهم اللّه من الموعظة أقصى مبلغ ، ونصب لهم من الحجج أسطع حجة ، وثبّت رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم أرسخ تثبيت ، لا جرم أمر رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم بأن يوادعهم موادعة مستقرب النصر ، ويواعدهم ما أعد لهم من خسر . وعدم عطف جملة قُلْ هذه على جملة قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ [ الزمر : 38 ] لدفع توهم أن يكون أمره قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لقصد إبلاغه إلى المشركين نظير ترك العطف في البيت المشهور في علم المعاني : وتظن سلمى أنني أبغي بها * بدلا أراها في الضلال تهيم لم يعطف جملة : أراها في الضلال ، لئلا يتوهم أنها معطوفة على جملة : أبغي بها بدلا ، ولأنها انتقال من غرض الدعوة والمحاجّة إلى غرض التهديد . وابتدأ المقول بالنداء بوصف القوم لما يشعر به من الترقيق لحالهم والأسف على ضلالهم لأن كونهم قومه يقتضي أن لا يدخرهم نصحا . والمكانة : المكان ، وتأنيثه روعي فيه معنى البقعة ، استعير للحالة المحيطة بصاحبها إحاطة المكان بالكائن فيه . والمعنى : اعملوا على طريقتكم وحالكم من عداوتي ، وتقدم نظيره في سورة الأنعام [ 135 ] . وقرأ الجمهور مَكانَتِكُمْ بصيغة المفرد . وقرأ أبو بكر عن عاصم مكاناتكم بصيغة الجمع بألف وتاء . وقال تعالى هنا : مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ليكون التهديد بعذاب خزي في الدنيا